الشيخ الطوسي
379
التبيان في تفسير القرآن
( الحاملات وقرا ) فقال السحاب . فقال ما ( الجاريات يسرا ) قال السفن . والمعنى إنها تجري سهلا ، فقال ما ( المقسمات أمرا ) قال الملائكة . وهو قول ابن عباس ومجاهد والحسن ، وهذا قسم من الله تعالى بهذه الأشياء . وقال قوم : التقدير القسم برب هذه الأشياء لأنه لا يجوز القسم إلا بالله . وقد روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنه لا يجوز القسم إلا بالله . والله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه . وقيل : الوجه في القسم بالذاريات تعظيم ما فيها من العبرة في هبوبها تارة وسكونها أخرى ، وذلك يقتضي مسكنا لها ومحركا لا يشبه الأجسام ، وفي مجيئها وقت الحاجة لتنشئة السحاب وتذرية الطعام ما يقتضي مصرفا لها قادرا عليها ، وما في عصوفها تارة ولينها أخرى ما يقتضي قاهرا لها ولكل شئ سواها . والوجه في القسم بالحاملات وقرا ، ما فيه من الآيات الدلالة على محمل حملها الماء وأمسكه من غير عماد واغاث بمطره العباد وأحيي البلاد وصرفه في وقت الغنى عنه بما لو دام لصاروا إلى الهلاك ، ولو انقطع أصلا ، لا ضربهم جميعا . والوجه في القسم بالجاريات يسرا ما فيها من الدلائل وبتسخير البحر الملح والعذب بجريانها وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق ولو ركد لأهلك ، وبما في هداية النفوس إلى تدبير مصالحها وما في عظم النفع بها في ما ينقل من بلد إلى بلد بها . والوجه في القسم بالملائكة ما فيها من اللطف وعظم الفائدة وجلالة المنزلة بتقسيم الأمور بأمر الله تعالى من دفع الآفة عن ذا واسلام ذاك ومن كتب حسنات ذا وسيئات ذاك ، ومن قبض روح ذا وتأخير ذاك . ومن الدعاء للمؤمنين ولعن الكافرين ، ومن استدعائهم إلى طريق الهدى وطلب ما هو أولى بصد داعي الشيطان والهوى عدو الانسان .